عبد الكريم الخطيب

958

التفسير القرآنى للقرآن

وقوله تعالى : « إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » - هو حكم من اللّه سبحانه وتعالى على أعمالهم ، بأنها أعمال سيئة ، لا تعقب إلا سوءا ، ولا تجرّ على أصحابها إلا الحسرة والندامة . . وقد وقع الوصف بالسوء على الأعمال ، لأن الأعمال هي التي تظهر على محكّها الأقوال . . أما الأقوال ، فما أكثر ما تخالفها الأعمال . . فقد يكون القول في ظاهره حسنا جميلا ، على حين يكون العمل من ورائه سيئا خبيثا . . وإنه لن يكون عمل طيب ، إلا وكان معه القول الطيب ! لأن القول أخفّ مئونة من العمل ، ولهذا كانت الأعمال ، هي مناط الحساب والجزاء . . قوله تعالى : * « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ » . أي ذلك النفاق الذي فيه هؤلاء المنافقون ، هو بسبب أنهم آمنوا ، ودخلوا في تجربة مع الإيمان ، فلم يجد له مكانا في قلوبهم ، فلفظوه كما تلفظ المعدة المريضة الطعام الطيب ، وبهذا رجعوا إلى الكفر الذي لم تبعد الشّقة بينهم وبينه . وقوله تعالى : « فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ » أي ختم على قلوبهم بأنها لا تقبل الإيمان ، ولا تستجيب له ، فقد امتحنت من قبل بالإيمان امتحانا كشف عن معدنها ، وأنها لا تلتقى بالإيمان ، ولا تسكن إليه . . إن من يلتقى بالإيمان يوما ، ويعيش معه زمنا ، ثم يفارقه - لن يكون بينه وبين الإيمان لقاء على مودة أبدا . . ذلك أن القلب الذي يدخله الإيمان ، ثم يخرج منه - لن يعود إليه بحال ، إنه فراق إلى غير لقاء . . وهذا يعنى أن الإيمان سهل المورد لمن هو من أهله ، أما من لم يكن من أهل الإيمان فلن يقبله ، وإن قبله فإنه سرعان ما يرفضه ، لأنهما على طبيعتين مختلفتين . وهيهات أن يقع ائتلاف بين ما اختلف من الطبائع أصلا . .